مش قادر:هكذا انتفض عبد الرؤوف ذو ال35 عاما صارخا في زوجته سميرة،ليضيف قائلا:الهم حاسس انه راكب على ظهري،مش قادر اخد نفسي؛ليعدل من وضعية جسده حتى استلقى على ظهره مشعلا سيجارة لعلها تحول همه إالى رماد فنفث دخانها في عصبيه قائلا:كل المصانع دلوقتي شغاله بالبلى الأزرق اللي اسمه كمبيوتر و استغنت عن خبرة العمال، بعد ما الله يخرب بيتهم سرحونا من المصنع اللي قام على أكتافي أنا و زملائي من 20 سنه،كل ده عشان يأكلو فلوس الخصخصه في كروشهم.
لتجيبه سميرة وهي تربت على كتفه وعلى وجهها تظهر عبوسة خيبة الأمل:معلش يا أخويا بكره تتحل؛لينتفض عبد الرؤوف كمن أصابه مس كهربائي:بكره ايه يا وليه،هى الدنيا تقدر تستناني،طلباتك أنتي و عيالك ملهاش اخر،جتكم نيله،نامي و الصباح رباح.
ليبيت عبد الرؤوف ليلته متيقظا لا يفارقه التفكير في إيجاد حل لمشكلته.
........................................................................................................................
بانضباط ودقة الساعات السويسريه(الذي اكتسبهم الرئيس من عمله العسكري السابق)واظب الرئيس على الاستيقاظ مبكرا في السادسه صباحا ليمارس هرولته المعتاده في حديقة قصره الرئاسي الفخم المزينه بأندر الأزهار وأشجار الفاكهه المتنوعه.
استحم الرئيس كالمعتاد ليسارع بارتداء بذلته الرماديه ذات الماركه الايطاليه الفاخره وحذاءه الاسود اللامع كجوهره متلالأه ليبدو آيه في الاناقه(رغم تجاوزه الثمانون)ليتجه إالى مائده الافطار(التي يشرف على اعدادها نخبه من الاطباء لكي يلائم الطعام صحة الرئيس)ويجلس على رأسها.
بنظارتها الشمسيه الفرنسيه وملابسها التي تواكب احدث الموضات العالميه،لحقت بسيادته السيده الاولى لتجلس على رأس المائده الاخرى(فلا يكاد يرى الرئيس حرمه لتجاوز المائده 10 امتار)
ليبادرها الرئيس قائلا:على فين العزم انهرده؟،لتجيبه السيده الاولى وفمها يقطر غرورا:أنت عارف المؤسسات النسائيه في البلد متمشيش من غيري!!!!إبتسامة سخريه سرعان ما تلاشت من على وجه الرئيس وهو يجيبها:الله يكون في عونك بتتعبي فعلا...ليضيف قائلا :أنا رايح النهرده الصعيد،إجتماع مع قيادات المحافظه لزوم الشو الاعلامي قبل الانتخابات القادمه.لتجلجل ضحكات السيده الاولى في قاعة الظعام:إنتخابات!!!إنتخابات إيه؟؟البلد في ايدينا.
........................................................................................................................
استيقظ عبد الرؤوف باكرا ليرتدي ملابسه التي تفوق منها رائحة عرق تخنق الصدور من أثر بحثه عن عمل طوال الأيام الماضيه،لتصحو سميرة لتسأله في قلق عن سبب نزوله مبكرا،ليجيبها عبد الرؤوف:أنا زهقت،أنا رايح أقابل الحاج عبد القادر وبقية زملائنا في المقهى،الحاج قاللي أمبارح انه لقى حل وهيقولهولي النهرده.لتجيبه سميرة:ربنا معاكم يا أخويا.ألقى عبد الرؤوف نظرة حانيه على زوجته فلكم أحب تلك المرأه ولكن الزمن يحفر ملامحه الصخريه في القلب،اتجه عبد الرؤوف إلى باب الشقه لينتابه هاجس مخيف بأنه لن يراها مجددا ليلتفت يجول بعينيه في أرجاء الشقه التي تبدو كما هي منذ 30 عاما عندما انتقل اليها مع ابويه (رحمهم الله)تحتاج فقط الى اعادة طلاء جدرانها الباهته وتغيير اثاثها المهترئ بفعل الزمن،ولكن لم تفقد عبق ذكريات الطفوله و الصبا و الزواج،ليصغع عبد الرؤوف الباب خلفه في عنف وبداخله عزم مخيف على تغيير الامور.
........................................................................................................................
حائط دائري معتاد من الحراس ضخام الجثه ذوو النظارات الشمسيه وسماعات الأمن الأذنيه،التف حول الرئيس وهو في طريقه الى سلم الطائرة لتختفي قامة الرئيس القصيرة وجسده الممتلئ ويتحرك في بطئ وتؤده اعتادهم بفعل نشاته الريفيه،يهرول مساعده ذو الشعر الاشيب وراءه الذي لم يفارق ظهره طيلة 15 عاما(منذ أعتلائه كرسي الرئاسه)حتى اكتسب ثقة الرئيس الغاليه.
مال المساعد على أذن الرئيس يهمس له ببرنامج الزيارة في سرعه لترتسم امتعاضه ساخطه على شفتي الرئيس سرعان ما تلاشت(لكي لا تظهر في كاميرات التليفزيون)وهو يعنف مساعده قائلا:اربع ساعات يا نجيب!!!!!!مش كتير على الصعيد؟؟؟؟؟ليجيبه مساعده وهو يمسح قطرات عرق وهميه من على جبينه :معلش يا ريس الظروف تحكم،وعشان نخلص من كلام الصحافه عن فضيحة الخط الأخيرة وخصخصه المصانع وتسريح العمال،اطمئن يا ريس حياتنا فدى راحتك.
........................................................................................................................
ربما اكثر ما يميز مقهى الحاج علام صورته بشاربه الكث المعلقه على الحائط كدليل بلدي اصيل على الشهامه والرجوله وذلك التليفزيون الضخم المثبت دائما على قناه الكليبات العاريه(أصر الحاج على إقتناء الدش لجذب مزيدا من الزبائن وقد تحقق مراده)غير ذلك يبو مقهى بسيط شعبي بمقاعده الخشبيه المتداعيه وخان الشيشه الذي يصنع دائما سحابه ضبابيه؛ألقى عبد الرؤوف نظرة خاطفه في انحاء المقهى قبل أن يجد زملاءه الخمسه الذين سرحوا مثله وعلى راسهم الحاج عبد القادر ريس العمال ذو ال55عاما،ليلتقط عبد الرؤوف مقعدا ويجلس بجانبهم يلقي التحيه في ملل ليبادره الحاج قائلا:خلاص هانت يا عُبد زي ما قلتلك امبارح أنا لقيت الحل.ليبتهج عبد الرؤوف هاتفا:لقيتلنا شغلانه يا حاج؟.ليجيبه الحاج:لا،بس أنت عارف ان الريس جاي انهرده؟.بس الريس ماله ومالنا؟هكذا ردد عبد الرؤوف ،لتتعالى صوت همهمات الحاج عبد القادر شارحا خطته لعبد الرؤوف الذي اعتلى وجهه اهتمام اختلط بالقلق الشديد فقد كان ما يشرحه الحاج خطير لابعد حد.
........................................................................................................................
بعد ساعه ونصف من السفر المريح على الطائرة الاغلى في العالم،استقبل الرئيس على سلمها لفيف من قيادات المحافظه الحزبيه وعلى راسهم سيادة المحافظ،وخلفهم جموع من الشعب تهتف بحياة سيادة الرئيس(اصرت تلك الجموع على تقاضي مبلغ اكبر تلك المرة لأن الريس بيجي كل فين وفين حسب قولهم مما أثار استياء المحافظ ولكنه سرعان ما وافق رغبة في ارضاء الريس)ليجيبهم الرئيس بحركة يديه المعتاده بمعنى(شكرا ولكن واصلوا الهتاف)ليلتفت الرئيس إلى المحافظ:معانا في الحكومه الجايه يا سعيد.ليكاد المحافظ يقفز فرحا ولسانه يلهج بالشكر و الهتاف بحياة الريس.
........................................................................................................................
انتهى الرئيس سريعا من إجتماعه المغلق مع قيادات المحافظه ورجال الأعمال لينهض قائلا:هدفنا يا جماعه توفير فرص العمل ورفع مستوى معيشة المواطن البسيط،همتكم معانا.ليجيبه الحشد في صوت واحد:حياتنا فداك يا ريس.ليودعهم الرئيس بابتسامة رضا في طريق لإلقاء بيان شعبي.
"الأخوة و الأخوات ؛منذ توليت منصبي وضعت العداله الإجتماعيه نصب عيني..........."
هكذا افتتح الرئيس بيانه ليلقي خطبه اخرى إنشائيه مكرره مملوءه بالوعود الزائفه نالها تصفيق حاد من أنصار الحزب الحاكم ليغادر الرئيس المنصه بتلك الإبتسامه الزجاجيه الخاليه من نبض الحياه.
ظن الرئيس أن الجمع المنتظر عند مدخل القاعه يريد تحيته ومصافحته فسمح لهم بالمرور من الحراسه ولكن هذا الجمع لم يكن سوى الحاج عبد القادر وعبد الرؤوف وبقية عمال المصنع المسرحون ليبادر الحاج عبد القادر قائلا في حماس:لقد واظبنا على إنتخابك منذ 15 عاما بأوامر مباشره من مدير المصنع،ولم نتذمر يوما من صعوبة معيشتنا أو قلة دخلنا أو تدهور حياتنا وقسوة ظروف العمل التي دهورت صحتنا ولكن يا ريس نطرد كمان بعد ما قضينا حياتنا نبني المصنع طوبه طوبه؟؟كلنا دلوقتي في الشارع مش لاقيين الرغيف الحاف.
ليكمل عبد الرؤوف قائلا:إحنا مش طالبين كتير يا ريس،احنا عايزين شغلانه نأكل فيها من عرق جبينا،مش عايزين نشحت يا ريس،عايزين حقنا اننا نعيش.
خيم الصمت على الجميع فقد حدث أخر ما قد توقعه الحاج عبد القادر ومرافقيه.
.......................................................................................................................
جريدة الحقيقه القوميه ص15:رجال أعمال محافظة......وشعبها بجميع فئاته وطوائفه يتقدمون بخالص الشكر و التقدير للقائد الزعيم سيادة الرئيس..............ورئيس الحزب الحاكم لزيارته التاريخيه للمحافظه شاكرين لسيادتكم وضع تنمية الصعيد في بؤرة إهتمامكم وكرمكم وعطائكم....ورافضين بشده محاولة الإعتداء على سيادتكم من قله من الخونه المارقين عن القانون بغرض تحقيق مصالح أعداء الوطن المتربصون به.
نبايعك يا سيادة الرئيس لولايه تاليه من قلوبنا من أجل تحقيق مزيد من التقدم و الرخاء و المحافظه على الوطن وسلامة أراضيه
.......................................................................................................................
النهايه
الشخصيات في القصه من صنع خيال المؤلف وليس لها علاقه بالحقيقه
كتبها مصطفى عثمان في 10:56 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: مصطفى عثمان
